اسماعيل بن محمد القونوي
385
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة البينة ( 98 ) : آية 7 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البينة : 7 ] ) لم يعطف لأن المسند فيهما متغايران إذ هو في الأول فِي نارِ جَهَنَّمَ [ البينة : 6 ] وفي الثاني أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة : 7 ] بخلاف قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ، 14 ] والبرية إن أريد البريئة أي الخليقة يعم الملائكة فيكون دليلا على أفضلية البشر من الملائكة عوامهم من عوامهم وخواصهم من خواصهم وإن أريد من البري مقصورا بمعنى التراب فلا تدل على ذلك وتغيير الأسلوب لأنه قصد هنا شرح جزائهم فجعل أولا مدحهم خبرا ثم شرع شرح جزائهم بخلاف الأول فإن جزاءهم لم يقصد شرحهم فجعل خبرا له ثم سجل عليهم بالذم المذكور قدم الفريق الأول لكونه أمس بما قبله لأنه تعالى بين أولا حال أهل الكتاب والمشركين في الدنيا ثم بين حالهم في الآخرة وبيان حال الفريق الثاني في الدنيا أولا ثم بيان حالهم في الآخرة ثانيا لأن عادة القرآن أن يشفع الترغيب بالترهيب وبالعكس تنشيطا لما ينجي وتثبيطا عما يردي وأيضا أريد كون مقطع الكلام بحلية المؤمنين وثوابهم . قوله تعالى : [ سورة البينة ( 98 ) : آية 8 ] جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) قوله : ( فيه مبالغات تقديم المدح ) أي فيه فقط مبالغات ليست في مقابلها فتقديم الخبر للحصر الأولى تقديم المدح وجهه ما ذكرناه من شرح جزائهم وايذانا في أول الأمر أنهم فازوا بأقصى المطالب وأعلى المآرب والمراد بالمدح قوله : أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة : 7 ] . قوله : ( وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به ) أي ذكر لفظ الجزاء وأما في عديله فجزاؤهم وإن ذكر بقوله تعالى : فِي نارِ جَهَنَّمَ [ البينة : 6 ] لكن لم يذكر لفظ الجزاء المؤذن ولا ايذان بذلك ذكرنا جهنم قوله بأن ما منحوا أي أعطوا في مقابلة ما وصفوا به من الايمان والعمل الصالح هذا بناء على الوعد ولا ينافي كونه تفضلا محضا مع قطع النظر عن الوعد إذ لا يجب عليه شيء ولذا قال تعالى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [ النبأ : 36 ] لكن في العديل وقع الحكم على المشتق وهو يقتضي عليه مأخذ الاشتقاق فيؤذن أن ما ابتلوا به في مقابلة ما صدر منهم من الكفر فيوجد في العديل هذه المبالغة في عديله أيضا . قوله : ( والحكم عليه بأنه من عند ربهم وجمع جنات وتقييدها إضافة ووصفها بما يزداد لها نعيما ) والحكم عليه أي على الجزاء بأنه من عند ربهم أي عند ربهم ظرف مستقر قوله : فيه مبالغات تقديم المدح المستفاد من وصفهم بالإيمان والعمل الصالح وذكر لفظ الجزاء المؤذن بأن تلك الجنات تعطى إياهم في مقابلة الإيمان والعمل الصالح .